ابن عجيبة

208

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً أي : قارة ثابتة ، ليستقر عليها الإنسان والدواب ، بإظهار بعضها من الماء ، ودحوها وتسويتها ، حسبما يدور عليه منافعهم . وَجَعَلَ خِلالَها ؛ أواسطها أَنْهاراً جارية ينتفعون بها ، وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ أي : جبالا ثوابت ، تمنعها أن تميد بأهلها ، ولتتكون فيها المعادن ، وينبع من حضيضها المنابع . وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ أي : العذب والمالح ، أو : خليجى فارس والروم حاجِزاً ؛ برزخا مانعا من المعارجة والمخالطة ، أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ في الوجود ، أو : في إبداع هذه البدائع ؟ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شيئا من الأشياء ، ولذلك لا يفهمون بطلان ما هم عليه من الشرك مع كمال ظهوره . الإشارة : أم من جعل أرض النفوس قرارا ، لتستقر عليها أحكام العبودية ، وتتصرف فيها أقدار الربوبية ، وجعل خلالها أنهارا من علوم الشرائع ، وما يتعلق بعالم الحكمة من الحكم والأحكام ، وجعل لها جبالا من العقل لتعرف صانعها ومدبرها ، وجعل بين بحر الحقيقة والشريعة حاجزا وبرزخا ، وهو نور العقل ؟ فما دام العقل صاحيا ميّز بين الحقيقة والشريعة ، فيلزمه التكليف ، ويعطى كل ذي حق حقه . فإذا سكر وغاب نوره سقط التكليف . وقد تشرق على نور قمر العقل شمس العرفان ، فتغطيه مع وجود صحوه ، فيميز بين الحقائق والشرائع ، وتكون عباداته أدبا وشكرا . وباللّه التوفيق . ثم ذكر نوعا آخر ، فقال : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 62 ] أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ( 62 ) قلت : الاضطرار : الافتعال من الضرورة ، وهي الحاجة المحوجة إلى اللجأ ، يقال : اضطره إلى كذا ، واسم الفاعل والمفعول : مضطر ، ويختلف التقدير . يقول الحق جل جلاله : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ ، وهو من نزلت به شدة من شدائد الزمان ، ألجأته إلى الدعاء والتضرع ، كمرض ، أو فقر ، أو نازلة من نوازل الدهر ونوائبه ، أو : المذنب إذا استغفر مبتهلا ، أو : المظلوم إذا دعا ، أو : من رفع يديه ، ولم ير لنفسه حسنة يرجو بها القبول غير التوحيد ، وهو منه على خطر ، فهذه أنواع المضطر . وإجابة دعوته مقيدة بالحديث : « الدّاعى على ثلاث مراتب ، إما أن يعجل له ما طلب ، وإما أن